القرطبي
230
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
يعتقد أن النوء ينزل الله به الماء ، وأنه سبب الماء على ما قدره الله وسبق في علمه ، وهذا وإن كان وجها مباحا ، فإن فيه أيضا كفرا بنعمة الله عز وجل ، وجهلا بلطيف حكمته في أنه ينزل الماء متى شاء ، مرة بنوء كذا ، ومرة بنوء كذا ، وكثيرا ما ينوء النوء فلا ينزل معه شئ من الماء ، وذلك من الله تعالى لا من النوء . وكذلك كان أبو هريرة يقول إذا أصبح وقد مطر : مطرنا بنوء الفتح ، ثم يتلو : ( ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها ( 1 ) ) قال أبو عمر : وهذا عندي نحو قول وسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مطرنا بفضل الله ورحمته ) . ومن هذا الباب قول عمر بن الخطاب للعباس بن عبد المطلب حين استسقى به : يا عم رسول الله صلى الله عليه وسلم كم بقي من نوء الثريا ؟ فقال العباس : العلماء يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعا بعد سقوطها . فما مضت سابعة حتى مطروا ، فقال عمر : الحمد لله هذا بفضل الله ورحمته . وكان عمر رحمه الله قد علم أن نوء الثريا وقت يرجى فيه المطر ويؤمل فسأله عنه أخرج أم بقيت منه بقية ؟ . وروى سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا في بعض أسفاره يقول : مطرنا ببعض عثانين الأسد ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( كذبت بل هو سقيا الله عز وجل ) قال سفيان : عثانين الأسد الذراع والجبهة . وقراءة العامة ( تكذبون ) من التكذيب . وقرأ المفضل عن عاصم ويحيي بن وثاب ( تكذبون ) بفتح التاء مخففا . ومعناه ما قدمناه من قول من قال : مطرنا بنوء كذا . وثبت من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ثلاث لن يزلن في أمتي التفاخر في الأحساب والنياحة والأنواء ) ولفظ مسلم في هذا ( أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ) . قوله تعالى : ( فلولا إذا بلغت الحلقوم ) أي فهلا إذا بلغت النفس أو الروح الحلقوم . ولم يتقدم لها ذكر ، لان المعنى معروف ، قال حاتم . أماوي ما يغنى الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 321